الصورة تمثل يوماً بديعاً من أيام الريف الجميل
يوماً تزدهي فيه الحياة بأبهى صورها الساحرة فيخيل للناظر عندما
يشاهد تلك المناظر البديعة أنه يشاهد حلماً أو انه أمام لوحة رائعة
فائقة في الدقة والتصوير
لوحة لم تستطع أنامل ولا ريش أمهر الفنانين أن تصوغ أشكالها وترسم
تلك المناظر التي تسحر الأفئدة مهما بلغت دقتهم في التصوير والتفنن
في التلوين لأنها هبة الخالق جلّ وعلا فهو الذي صورها فأحسن
التصوير، فسبحانه وهو الخالق المصور وهو البديع في صنعه والعظيم في
جلال قدرته
فما إن يمدّ الفجر في الريف خطوطه الأرجوانية جهة الشرق حتى يكون
الليل هو الآخر قد شرح يطوي رداءه مودعاً الهدوء والسكينة ، ولم
تكن الشمس قد أشرقت بعد إلا أن ظلمة الليل تتواري شيئاً فشيئاً
والخط الأرجواني في المشرق خلال عدة دقائق يكون قد تحوّل وقارب
بلونه النار وبعد فترة وجيزة يتراءى الشرق أو يبدو وكأنه بحور
ذهبية وتصطبغ الجبال بأصباغ حمراء إثر شروق الشمس المتشحة بردائها
الملتهب الذي أضفته على الجبال فتبدو الجبال رابضة شامخة تتحدى
الزمن
وقبل شروق الفجر بالإنبلاج وبزوغ الشمس تستيقظ الحياة في الريف
فأول ما يتصاعد في الفضاء من الأصوات هي أصوات الديوك إيذاناً
ببداية يوم جديد يليها في التصاعد تسبيح أئمة المساجد وكان التسبيح
عبارة عن أدعية تسبق أذان الفجر
وكان المسبِّح يقف أمام المسجد أثناء أدائه للتسابيح والأذان حتى
يبلغ صوته إلى أبعد مسافة
،ثم يلي ذلك الأذان – وهناك زقزقة العصافير وهي على الأشجار تارة ً
وسابحة في الفضاء تارةً أخرى مغردة وسعيدة بمقدم اليوم الجديد
ويبدأ الدخان بالتصاعد حتى عنان السماء من أسطح المنازل ثم يتلاشى
، وهناك الإنسان وهو النقطة البارزة في هذه الصورة يبدأ بالحركة
فيخرج من يخرج من الرجال والنساء والفتيات والفتيان كلُّ يسير في
إتجاه حسب ما تقتضيه مصالحه وظروف عمله، وكان معتاداً أن يمر إنسان
بين بيوت القرية فيتناهى إلى سمعه صوت تلاوة قرآن ، فلقد كانت
العادة تجري آنذاك اعتياد من يقرأ ويكتب أن يتلو كل صباح ما تيسر
من القرآن يسمّى ( تحزِيب ) ويهدى ثواب التلاوة إلى أرواح الأقارب
من الموتى إما تطوعاً واختياراً أو التزاماً يومياً مقابل نذر تحبس
له مواضع معينة من الأراضي المزروعة تسمّى ( وقف قراءة )
كما يرى الناظر في الصورة بيوت القرى الكثيرة منتشرة على جنبات
الجبال وبين أحضانها وعلى رؤوسها وقد بدت وديعة آمنة مطمئنة وكأنها
أحتمت بتلك الجبال من طوارق الدهر وصروف الزّمن ، كما تبدو الوديان
متماوجة الخضرة تنساب المياه في أوساطها فتتفرع السواقي بين
الحقول كما تتفرع عروق الدَّم في الكف
والحياة في الريف جميلة حيث الطبيعة خلابة والمناظر ساحرة جذابة ،
وعموماً كل مناظر الريف أخّاذة تجتذب العيون فتشبعها والقلوب
فترويها وتجلوها من الصدأ وتلك المناظر ليست موسمية فقط بل إنها
بجمالها تساير الفصول الأربعة – الربيع بدفئه وعبيره والصيف
بخصوبته وأمطاره والخريف بهوائه ونضوجه والشتاء ببرده وضبابه –
إلاّ أن هناك مميزات ينبغي أن نشير إليها فنقول: ليس من أيام أجمل
ولا أمتع من تلك الأيام التي يعيشها الريفيون على الطبيعة وبالذّات
في الموسم الزراعي أيام تهدي الطبيعة رونقها وبهاءها وخضرتها
وأمطارها وطيب هوائها
فالألوان الطبيعية منسجمة تُسرّ الناظر وحفيف الأشجار يرسل الهواء
النقي الذي يملأ الرِّئات بالأكسجين فتنتعش به النفوس وتنشرح به
الصدور.
والأزهار متفتحة تفوح بعبيرها وتتكرّم فتعطر بأريجها الأنفاس وتبعث
على الحيوية والنشوة ، وكل هذه العوامل تعطي بطبيعتها الإنسان
وتسعده وتبهجه أيضاً بمناظرها الخلابة وروائحها الزكية الشّذيّة
وتسهم إلى أقصى حد ممكن يشعر فيه الإنسان بجماليات الكون الطبيعية
بعيداً كل البعد عن مستوى المادة والأنانية ،
وهكذا يقال ( جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال).
ونفهم من هذا أن الطبيعة شأنها العطاء إذا ما سخّرها الإنسان ، فقد
تهب الطبيعة الفضة والذهب والنحاس وغيرذلك من أنواع المعادن ، ولكن
على الإنسان إن يستخرجها ويصنّعها ، وقد تهب الطبيعة القمح والشعير
والذّرة وأنواع الفواكه والخضروات ولكن على الإنسان أن يحرث ويبذر
ويزرع ويجني
يقال
: ( بقدر ما تعطيها تعطيك ) هذه حكمة شعبية تحمل معنى البذل والجهد
، وهناك حكمة أخرى أكثر عمقاً ودلالة وهي أن الأرض تدعي ربها كل
صباح وتقول ( يا قوي ملِّكني قوي ) يا قوي ملِّكني قوي تعبير موجز
لكن بلاغته تعلِّم الإنسان أهم درس في الإهتمام والعناية بالأرض
والزراعة ، بل إنها إضاءة ساطعة لرؤية الحياة ومعرفة أسرار الطبيعة
.
وعموماً نقول : أن وجه الحياة في الريف يشعّ نقاءً وطهراً وبراءة
وتلك سمات تظهر في وجوه أهل الريف الذين تغلب عليهم البساطة مع
سهولة التعامل وصفاء القلوب ، وجميع أهل الريف يعملون طوال يومهم
دون كلل أو ملل فالرجال مثلاً يأخذون المجارف والحِجَن ذاهبين إلى
حقولهم والابتسامة من أفواههم تشع بالرضا وأصواتهم تعلو رنّانة
تبعث على الحيوية والنشاط مردِّدين المهاجل تعبيراً عن ابتهاجهم
باليوم الجديد ، وقلّما يسير رجل في الطريق أوبين الحقول الزراعية
دون أن يهجل هجلة واحدة .
ولسماع بعض من مهاجل المزارعين انقر على الرابط التالي
