لما كانت وسيلة المواصلات القديمة هي الجمال فلا شك أن
جذورها
كانت ضاربة في جذور التاريخ اليمني وقد ترجع إلى ماقبل عصورها الجاهلية
أيام
القوافل التجارية ليس على مستوى بلادنا فحسب بل وعلى امتداد الوطن العربي
بصحاريه
الذهبية وهضابه السندسية.
ففي بلادنا وعلى سبيل المثال كان الجمالة«أصحاب
الجمال» حتى وقت ليس بالبعيد هم رسل الخير ووسائط التلاقي ووسائل التواصل
بين
المتباعدين والمتقاربين كما تشير بذلك هذه الهجلة الزراعية المودعة
للمسافرين بعد
الظهيرة:
وايانا شرين بالعشايا وايا راكبين عا الحنايا
شوصي معاكم وصايا
لاعند الشباب الصبايا
ولأنه من المعروف أن أصحاب الجمال كانوا يسيرون بقوافلهم
المسافات الطويلة فلا شك أنهم كانوا في خلواتهم أثناء أسفارهم يبددون وحشة
الصحاري
والقفار بالغناء وهو ماكان يسمى في الوطن العربي وفي مناطق يمنية كثيرة بـ«الحداء»
فهذه التسمية كانت موجودة في مناطق حضرموت وصرواح ومأرب وربما كان حداؤهم
هناك من
مثل:
ياراكبين حمراء بلونه سحامه ترعى الزهر لين الشحم فوقها زام
أما في
مناطق محافظة تعز ومنها الحجرية فلم نعثر على هذه التسمية وقد يعزى السبب
إلى ندرة
وجود الجمال في تلك المناطق الجبلية والاستعاضة عنها بالحمير ومع ذلك فقد
كان تواجد
الجمال في المناطق المنخفضة والمنبسطة حيث كان أصحابها يستخدمونها كوسيلة
لنقل
الطعام «الحب» من«مطلع» وهي تسمية لمحافظة إب بما فيها السياني والسحول
وسوق
السويق.
وإلى جانبهم كان أصحاب القرى المعلقة في جبال الحجرية وغيرها يستخدمون
الحمير للأغراض ذاتها.
لكن غناءهم كان مشتركاً الكل يعبر عما يجول في خاطره من
خلال فننا الشعبي المتميز المسمى«ملالاه»..
سبعة جمال ظلوا على البوادي لاعاد
رأيت أهلي ولا بلادي
حكاية شخصية أرى أن أوردها هنا للتأكيد على الموضوع.
ذات
مرة وأثناء قيامي بتسجيل إحدى حلقات برنامج التراث الشعبي الذي يذاع من
إذاعة تعز
سمع أحد المهندسين وهو من أبناء بعدان صوتاً يتغنى بلحن الأغنية الريفية
المعروفة
عندنا باسم«ملالاه» فتذكر أنه كان في صغره يسافر مع والده إلى أسواق
القاعدة
والسياني والسويق بالسحول وأنه كان يسمع مثل هذه الأداءات الغنائية بأصوات
الجمالة
من أصحاب الحجرية وهم يغرزون الجمال«يعلفونها» بجوار المقاهي أو عند سفرهم
في
الطرق.
وأضاف أنه عندما كان أولئك يرددون مثل هذا الغناء كان الناس يتجمعون
حولهم للاستماع إليهم بشغف وإعجاب.
شدوا الجمال ماعادناش جمال ركوا السواعد من
بزوز الأحمال
واقافلة سيري واجمّال انزق ياليتنا فوق المليح محزق
كذلك وعلى
الصعيد نفسه وفي الطريق إلى عدن عبر خبت الرجاع والفرشة كان هناك جمالة
يقومون بنقل
المسافرين وأمتعتهم بأجور زهيدة بالنسبة لمن كانوا يمتلكون«الربابي»
جمع«روبية»
والتي كانت هي العملة السائدة في عدن قبل ظهور الشلن الانجليزي لأن هذه
العملة كانت
هندية يضمنها الاستعمار البريطاني.
أما من لم يكن معهم نقود وخصوصاً أولئك
النازلين إلى عدن من الحجرية ونواحيها فقد كانوا يسيرون على أقدامهم
الحافية التي
كانت تحرقها الرمال حتى تنتفخ.
وكانوا يحرصون على مسايرة الجمال ويذوقون المر في
ملاحقتها في الصحراء خوفاً من أن يضل بهم الطريق ليلاً. أو من أن تأكلهم
الوحوش.
قاأذن المغرب وانا بمعبق غدر علينا الليل واجمّال انزق
وكان الجمل
الواحد يحمل أربعة ركاب على سرير مصنوع من الخشب ومشبوك بحبال«الشبط» وهو
من سعف
النخل وغيره. ولئن كان يسير المسافرون سيراً على الأقدام نتيجة فقرهم وقلة
مابأيديهم فمن يدري أن تكون النصوص التالية المشبعة بالأمنيات هي من
موديلات
إبداعهم:
ياليتنا جمال والخل تاجر شنزل عدن ياخيرة البنادر
ياليتنا جمال بعد
سودي شخاللك يانادش الجعودي
صحيح أن هناك مغنياً شعبياً اسمه أحمد صالح الأبرش
قد غنى هذين البيتين.
لكننا نشك في أنه ربما برشها كغيره من الذين كانوا يبرشون
من المتبادل عند العامة ومع ذلك فكلهم يقرون على أن فنهم شعبي بنصوصه
وألحانه.
وإذا كانت كل النصوص المتغنية بالجمل والجمال تتسم بطابع التمني فلا شك
أن النظرة إلى الجمال كانت آنذاك كالنظرة التي جاءت بعد ذلك إلى السائق«الدريول»
حين كان ينظر إلى السائق بعيون غير تلك العيون التي ينظرون بها إلى واقعهم
مما جعل
أحدهم لايعي مايتمنى:
ياليتا جمال والا دريول والا قلم بركل بجيب الأول
وكان
بعض السائقين آنذاك يستغل تلك النظرة الاجتماعية فيزداد غروراً ويمتط بنفسه
لدرجة
أنه كان يطيل إزاره«فوطة دنقالة» إلى أن تنسحب في الأرض وسنأتي للحديث عن
موضوع
مواصلات البوابير لاحقاً.
ولنعود إلى الأمنيات المعقولة المعبرة عن الرغبة
الجامحة إلى الوصول إلى المركز الذي وصل إليه الجمال في نظر العامة.
فهناك هجلات
زراعية تعبر عن موديلات إبداعية تترجم ذلك الواقع.
ياليتني جمال مع الجيد شحمل
الدلة الجديد
وشحمل الدلة والإبريق خينه نظمأ بالطريق
ياليتني جمال معاهم
شحمل الدلة لهم
جمالهم واحد زريقي من بلاد العوشقي.
-
لان السفر في خبت
الرجاع الذي يقع في محافظة لحج. سفر شاق وطويل. والحرارة تلتهب من الرمال
والجو وهو
مايبعث على الارهاق والظمأ.. فقد تمنى الهاجل أن يكون جمالاً فقط ليحمل
للمسافر
الذي يعزه، دلة مملوءة بالماء ليرتوي فيزول تعب السفر.
وهناك هجلة أخرى نعرف من
خلال عباراتها الواضحة أن أحد المالكين لقوافل الجمال التي كان أصحاب
البوابير
بألقاب عرفت بها حيث كانوا يكتبون على مقدمات بوابيرهم وعلى جوانبها
الأسماء التي
كانوا يطلقونها على بوابيرهم من مثل. أبو زيد الهلالي. وحش اليمن. فارس
الصحراء ذو
القرنين. وهذه البوابير كانت معروفة لدى كل المسافرين.
أما أبو زيد الهلالي
الجمال. فقد نقلت عنه هجلتنا الزراعية. هذا القول الذي يفتخر فيه بجماله
:
ماقال
أبو زيد الهلالي
واجمالي حملي
وحملي من بز بنجالي
وقشر الشاذلي
-
كذلك
الشخص الذي كان يقوم بنقل الرسائل والأمتعة «الصدارة» من عدن إلى الأهل في
الأرياف
كان قبل أن يطلق عليه لقب «طبل» كان يسمى جمال. لانه كان قبل ظهور السيارات
اللاندروفر والبوابير يستخدم الجمل. وقد جاءت الأغنية الريفية القديمة
لتؤكد ذلك من
خلال رسالة وجهتها امرأة متشوقة إلى عودة حبيبها الغائب
:
رد الأمانة واجمل
واجمال قل للحبيب يوصل ولعن بو المال
كذلك غنى الفنان أيوب طارش في بداية مشواره
الفني :
جمال تجمل بالرحيل بادر وافرد حمولك وسط سوق حيفان
يحثه وهو المقيم
في عدن على أن يفعل معه جميلاً «جمالة». فيشد أحمال جمله ويرحل من عدن ليصل
إلى
الأهل في حيفان. والحق معه. بل إنه معذور لقوله هذا فقد كان المقيم في عدن
إذا أرسل
رسالة إلى أهله في القرية. كان يتمنى لو يطير الجمال من وقته في الهواء
ليصل بأسرع
وقت. وكان بعضهم إذا أرسل وجاء في اليوم التالي ليجد الجمال لم يسافر.
كان يصيح
في وجهه : مكانك ماسافرتش ؟؟. يارجال خاف الله. يقول له هذا وكأنه جمال خاص
له.
والحقيقة أن أغنية طل القمر هي من بقايا الزمن الجميل.
جرت العادة التقليدية أن
لاتقام أكثر الأعراس والولائم. إلا يوم خميس. كذلك الحال في سورق الذي
تعرفنا على
عادة الخطوبة هناك. وعرفنا أنه لاتقام الوليمة إلا يوم الخميس.
صباح الخميس
تتحرك الحياة في بيت العريس السورقي. وبعد الشروق تتحرك مجموعة من الأفراد
الذين
يطلق عليهم شواعة. حيث يرسلهم العريس لإحضار العروسة.. وهناك يستقبلهم أهل
العروسة
والجيران وبقية أهل القرية استقبالاً تقليدياً غير عادي.
فيهيئون لهم مكاناً
لائقاً بهم. ويقدمون لهم الخدمات المعتادة من قهوة ومشروبات.. وبعد أخذ قسط
من
الراحة يخرج الشواعة الضيوف مع المضيفين من أهل العروسة والقرية إلى ضاحية
القرية.
وبالطبع كلهم يحملون أسلحتهم.
فيوضع لهم هدف يسمى «نشان». فيتبارى الجميع على
إصابته بالرمي. أو كما يسمونه «نصاع». وهذا هو التقليد السائد لديهم في كل
أعراسهم.
وعندما يحين وقت الغداء.. يعودون إلى محل ضيافتهم في منزل العروسة.
فيجدون الموائد قد بسطت من كل صنف ولون. وكما أشرنا في فقرة سابقة فإن
مائدة الضيوف
الشواعة تكون على نفقة المعرس. ومائدة أهل القرية تكون على نفقة والد
العروسة
باعتبارهم جيرانه وعشيرته.
في الوقت ذاته وفي منزل العريس تقام وليمة رسمية
يستضاف فيها الوافدون لتهنئة العريس ومشاركته أفراحه. حيث يطلق عليهم تسمية
«رفاد»،
كما أن المبالغ التي يسلمونها تسمى «رفيده» وسنتحدث عنها عند تسليمها.
على أن
مايميز الوليمة السورقية أن الذبائح فيها لاتقل عن ثمانية أعجال كبار.
إضافة إلى
اثني عشر أو أربعة عشر كبشاً وتيساً. وقيل أنهم كانوا قديماً يذبحون كبشاً
أو تيساً
لكل ضيف. لأن الوليمة تستمر هناك من صباح الخميس إلى اليوم التالي مساء
الجمعة.
حيث لايسمح لأحد من الضيوف الرفاد بمغادرة محل الضيافة قبل ذلك
الوقت.
فبعد تناول غداء وليمة الخميس يحين موعد المقيل الذي يستمر حتى وقت
العشاء فتبسط موائد العشاء التي لاتختلف عن موائد الغداء.. وتبدأ فترة أخرى
تسمى
فترة السمر حيث يصرف لهم أنواع القات مرة أخرى. وأثناء فترتي المقيل
والسمر.
وبين الفينة والأخرى يمر على الضيوف أناس يوزعون عليهم أنواع المشروبات
التقليدية الريفية. والمصنعة الغازية. وكذلك النعناع «الولايتي» والنبات.
وهو قطع
سكرية يسمونه «فصوص». وتمتد فترة السمر تلك حتى مطلع الفجر.
فيؤتى بالفطور وهي
وجبة من الخمير والسبايا وأصناف أخرى مرشوشة بالعسل والسمن.. وبعد تناول
وجبة
الإفطار تبدأ فترة ثالثة من التخزين بالقات. حيث يصرف لهم مرة أخرى. ويسمى
«فذاحة».
فيفذحون إلى ان تحين صلاة الجمعة فيتجهون لأداء الصلاة. ثم يعودون بعدها
وقد بسطت
موائد الغداء.
وبعد الإنتهاء من الغداء تبدأ الفترة الرابعة والأخيرة من
التخزينة. وهي فترة مقيل الجمعة. وأثناء تلك التخزينة يقوم الضيوف الرفاد
بجمع
مبالغهم النقدية المسماة رفيدة. حيث تجمع مبالغ كل غرفة وكل ديوان على حدة.
ويتم
إرفاقها بكشف بالأسماء الرافدة وتقدم للعريس مع طلب الإذن بالانصراف.
فيتسلم العريس
ذلك ويأذن لهم بالانصراف. حيث يطل على ضيوف كل غرفة لتوديعهم.