لم نجد في موديلات الإبداع القديمة مايشير إلى وجود نصوص
غنائية ريفية تتغنى بارتداء المرأة الريفية القديمة لما كان يسمى بـ«الشريحة»
قبل
ظهور الزنة والقميص اللذين حظي لابسوهما بالكثير من النصوص التغزلية.
لقد كانت
الشريحة كما وصف لنا عبارة عن قطعة قماش مستطيلة يثقب في الوسط ليدخل
الرأس، ولم
تكن مخيطة الجوانب، فقد كانت أشبه برداء يغطي الأمام والخلف، أما
الجنبان فقد كانت
مفتوحة. وكما وصفت لنا إحدى العجائز المعمرات بقولها: «كان يضرب
الريح، وقشع
بالشريحة، وظهروا الأبزاء لله» ولقد كان الاعتماد في ستر الجزء الأسفل
من الجسم
يعتمد على السراويل المشدودة في الخصر بحزام من الجلد، والذي كان كما
قالت العجوز: «تجلس
تخرشه نص ليلة».. أما الرجال في ذلك الزمن فقد كانت ملابسهم الإزار بمقاطب
من
قماش أبيض كان يسمى «فركني» و«بر يكن» ويبدو أن هذه التسمية مع تحريفها
تعني
أمريكي، وإلى جانب الإزار كانت هناك المشدة وهي عمامة الرأس.. وكانت
من نوع قماش
آخر يسمى «مربوع».. أما ظهورهم وبطونهم فكانت عارية. وعلى الرغم من
لباس المرأة
المثير آنذاك والذي كان يعتبر نصف عار، وهو ماكان من المفترض أن يدعو
إلى المتابعة
بأعين الاشتهاء ويبعث على الإثارة، إلا أننا كما أسلفنا لم نجد نصوص
غنائية أو
مهجلية تشير إلى ذلك ويعزى ذلك ربما لسببين. الأول: أنه من الجائز أن
كانت هناك
نصوصاً تغزلية بهذا الشأن ولكنها اندفنت باندفان أهلها نتيجة عدم
التدوين حتى إننا
لم نرث منها شيئاً. والسبب الثاني: أنه من الجائز كذلك أن التغني كان
بالجمال
البشري وليس بالملبس، وهذا السبب يتناقض مع ما سنستخلصه من ظهور نصوص
غنائية تتغنى
بلابس القميص، لأن لبس القميص قد أحدث في حينه تغيراً ملحوظاً بعث على
الإشارة
الغنائية، لأنه حسب اعتقادنا أن ظهور القمصان بدأ تدريحياً ونادراً مع
بعض النساء
الريفيات، فلذلك كانت الإشارات الغنائية تعني ذلك التفرد كما هو الحال
في ظهور أي
شيء ـ والملاحظ أن ارتداء القمصان على اختلاف ألوانها كان ولايزال من
أزياء النساء،
بينما العكس في صنعاء حيث يرتدي تلك القمصان فئات اجتماعية متميزة..
وتعرف القمصان
بأكمامها الواسعة الفضفاضة والطويلة التي توازي القامة.. ولابد أن
يكون كذلك وإلا
فسيحصل للخياط من هكذا: ـ مخيط القمصان جعل لك السم أطولت لي القامة
واقصرت لي الكم
ـ ولأن موديلات الإبداع الغنائي تساير كل تغيير أو ظهور جديد يبدأ
نادراً يبعث على
التفرد والتميز.. فقد كانت من أولى موديلات الإبداع التعبيري حول ظهور
القميص هذه
الهجلة العابرة: واراعي القميص المنيل... الليل. حبك قا سمر بي
وقيل... الليل.
والمعنى بالمنيل أنه كان مصبوغاً بمادة «بودرة» كانت تسمى «نيل» أو «تراب
النيل»
ومنها جاءت تسمية اللون الأزرق «نيلي» وكانت تلك المادة تستخدم لصباغة
القماش
بالطريقة البدائية.. وهي أنه كانت تغلى كمية من الماء داخل وعاء عريض
الفتحة
كالقدر، ومن ثم يوضع في الماء المغلي مقدار من تلك المادة، ويغمس
الثوب المراد
صباغته ليستمر فترة في ذلك الماء حتى ينقع، وكانت تلك العملية تمارس
في كثير من
القرى، إلا أن بعضهم كان يتقن تلك الصنعة. أما من كان غير ماهر فإن
الملابس التي
يصبغها كانت «تهل» بمعنى كان لون تلك الصبغة يسيل بمجرد تعرض الثوب
للمطر أو الغرق
أو شيء من البلل، فكانت تلك المادة تسيل على جسم الرجل أو المرأة وكان
لونها «كحلي»
بمعنى أزرق غامق مائل إلى السواد، ولذلك جاء هذا النص موضحاً تلك
الظاهرة. والنيل
قطر من حاجبك ياالأخضر دهيتني نفسي. شربت مخطر قطر .. بمعنى سال
قطرات.. ودهيتني
نفسي .. بمعنى أغرتني واستهوتني. وهذا النص يشير إلى احتمالين ـ
الأول: هو أن يكون
المخاطب رجلاً يرتدي العمامة المصبوغة التي كانت تسمى «سبيغه» يعني
صبيغة حيث كانت
تلك المادة كذلك تستخدم لصباغة العمائم التي يرتديها الرجال على
رؤوسهم: غريتني
بالنيل والسبيغه والعالم الله كيف هي الطبيعه ـ أما الاحتمال الثاني
فيشير إلى أن
تلك المادة المسماة تراب النيل كانت تستخدم كذلك لتزيين النساء
وخصوصاً لتزيين
الحواجب بعد مزجها بمادة لزجة كانت تسمى «زباد» وهي مادة عطرية قوية
الرائحة..
وكانت تلك المادة تستخلص من عرق حيوان اسمه «العكش» وسنوضح أكثر عن ذلك في
موضوع
آخر. ـ ولما كانت مادة النيل تستخدم لصباغة القمصان، فإن وصفاً يمتاز
بالخبرة يوضح
لنا أكثر، حيث يقول: ما احسن قميص النيل إذا تورس وطابق القامة ولو
تنفس تورس بمعنى
أضيفت أوراق الورس إلى الماء المغلي المعد للصباغة، ومن يدري فربما
كان الورس من
العوامل المثبتة لذلك اللون، والحقيقة أن الثياب المصبوغة بتلك المادة
كانت بعد أن
تصبغ تتخشن وتجف وتذهب ليونتها ونعومتها، فكانت إذا ثنيت إلى أعطاف
تظهر خطوط تلك
الأعطاف فإذا مرت امرأة ترتدي قميصاً منيلاً كان يسمع لذلك صوت وجلبه،
حتى من كان
يمرر بيده على الثوب يحدث حركة كأنه مر بيده على قرطاس. والريح ضرب هز
القميص قبالي
فقلت له ياريح دلا بمالي ـ ولذلك كانت النساء حريصات على عدم لف أو
تعطيف القميص،
أو الجلوس فوقه أو وضعه تحت روؤسهن عند النوم، بعد ذلك ظهر نوع آخر من
القماش
الأسود وكان سميكاً ناعماً ويسمى «شيت» فاستخدمته النساء كقمصان لتلك
الفترة وكان
موديل الإبداع الغنائي على هذا النحو: جزع قبال عيني لابس قميص شيت
حرق قلبي واشعله
بكبريت ـ وظهر كذلك نوع آخر من الأقمشة النسائية الذي استخدم للقمصان،
وكان اسمه «فوجي» فكان الإبداع الغزلي لتلك الموضة متمشياً مع تطورها إذ كانت
النصوص الغزلية
لتلك الفترة أكثر جرأة من مثل: ياراعية الفوجي كفي سفاله ليته يموت
زوجك وأنا
بداله. ـ ولم يقتصر ظهور الأقمشة النسائية على نوع واحدٍ خلال تلك
الفترة الزمنية،
فقد كانت تظهر أنواع فتسمى باسم معين، منها ظهور نوع سمي في حينه
«محمد علي» نسبة
إلى محمد علي جناح مؤسس دولة الباكستان. والعجيب أن ذلك القماش سمي
علناً ومتعارفاً
عليه باسم ذلك الزعيم ـ وربما كانت غالبية الناس لايعرفون من هو محمد
علي.. وعموماً
فقد استخدمت نساء الريف ذلك القماش قمصاناً كن يتفنن به ويعتزن، فكن
لا يلبسنه إلا
في مناسبات أو للخروج بعيداً عن البيت. ومن طريف ماحدث عن ذلك النوع
من القمصان..
أن امرأة ريفية ذهبت بعد ظهيرة أحد أيام الخريف إلى المزرعة «الحول» لتعمل
على جمع
بعض الأعلاف والطعم لبهائمها.. وكانت لابسة قميصاً من نوع قماش محمد علي.
وفجأة
أقبل المطر بغزارة شديدة، ولم يكن هناك في تلك الضاحية محل «كنان» لتلجأ
إليه
المرأة فاضطرت أن تمشي بين زخات وعواصف المطر إلى أن وصلت إلى بيتها
مع انتهاء
المطر. وكان أن قامت بتغيير ملابسها، ثم دخلت على زوجها المقيل في
المفرش.. فجلست
ترتعش من البرودة إلى جواره، وغطت ركبتيها بالشملة، وبدأت المنادمة
لزوجها داعية
الله تعالى كمدخل للحوار: قالت: لك الحمد، لك الحمد وارب، لقا أراد
مايمهلش. قال
لها: كيف المطر اليوم؟ يعرف إنه غزير. قالت: إيه، له الحمد، الأحوال
مثل البحور.
وببراءة مطلقة استأنفت الحديث قائلة لزوجها: ـ لكن أقول لك، أبصرت هذاك
المطر كله
من أوله لآخره، ومحمد علي فوقي. المسكينة قصدت القميص وأنها تبدي أسفها
وتأثرها
لتعرضه للبلل. لكن الزوج مع تخديرة التخزينة ظن شيئاً آخر ـ ظن أن لها
عشيقاً بذلك
الاسم. نال منها، أثناء المطر كفرصة نادرة، وهنا أظلمت الدنيا في عيني
الزوج وثارت
ثورة الغيرة في رأسه فرمى من يده بقصبة المداعة ونهض فأقبل على المرأة
يضربها بعنف،
ويشتمها مع محمد علي الذي لم يرحمها حتى من المطر. ولما كانت المرأة
فيها نصف سكرة
من برودة المطر، فقد وفاها الزوج مانقص، وأغمي عليها في مجلسها فلم
يترك لها فرصة
للتوضيح ولا خفف عليها من الضرب والتبريح. وكاد يسحبها طارداً لها أن
تذهب إلى بيت
أهلها، لكنها كانت «مهليش». بعد أكثر من ساعة أفاقت لتعاتبه بصوت منغم
بالأنين
وتوضح له ففهم وطنت برأسه وشعر بخطئه فوعدها بإرضائها وأنه سيشتري لها
في العيد ـ
محمد علي ـ جديد.